الفيض الكاشاني

مقدمة 37

علم اليقين في أصول الدين

ستر عقائده الخاصّة وعدم إبرازها بصورة واضحة ، وإن كان لا يمكنه السكوت عنها بالمرّة ، فإنّ الإناء يترشّح بما فيه ، وتلك الرشحات عن حقائق ما وصل إليه هذا العارف المحدّث مشهودة لكلّ من تأمّل فيما كتبه في أخريات عمره - قدّس سرّه - . والجدير بالذكر التأمل في البيئة التي يعيش فيها الفيض ، وأنها تغيّرت بسبب مصالح الحكومة إلى جوّ قشريّ ظاهريّ ، وصارت لا يفترق بين العارف والصوفي ، [ وأن نسبة انتساب أحد إلى التصوّف يساوي نسبته إلى الكفر والإلحاد والزندقة ، وذلك ألجأ عموم العلماء المشهورين في هذا الزمان أن بدءوا يكتبون كتبا في الردّ على التصوف والصوفية وحتى الحكم بكفرهم وارتدادهم « 1 » . ] الفيض - قدّس سرّه - تجاه المدارس المختلفة العقلية والسلوكية : بدء سير العلوم العقلية بين المسلمين بالمباحث الكلامية المستندة إلى القرآن والحديث ، ثم نشأ الفكر الفلسفي وتطوّر في المجتمع الإسلامي إلى أن كمل وتحوّل في الكمال إلى الحكمة المتعالية التي تستهدف التبيين البرهاني للكشف العرفاني ؛ وفي خلال ذلك السير نشأت عدة مدارس سيطر كل منها

--> ( 1 ) - شحّن المحدث الجزائري كتابه « زهر الربيع » بنقل كلمات يردّ عليهم وحكايات تسخر منهم وتستهزئ بهم . وكتب الشيخ الحرّ العاملي كتاب « اثنى عشريّة في الردّ على الصوفيّة » والشيخ البهائي تعرّض لهم في جملة من أشعاره وصرّح بذمّهم ، وحتّى أستاذ الفيض صدر المتألهين ألّف كتاب « كسر أصنام الجاهلية » في الردّ على المتصوّفة ، وكتب المولى محمد طاهر القمي كتابه « تحفة الأخيار » ونقلوا أنّه حكم بكفر الفيض - قدّس سرّه - أوّلا ورجع عن قوله هذا واعتذر بعد ما ذهب إليه الفيض وأبان عن عقائده . والفيض نفسه رد عليهم في مطاوي أكثر كتبه وخصّ لذلك شطرا كبيرا من كتابه بشارة الشيعة ؛ كما أنّ للعلامة المجلسي أيضا مكتوبات في ذلك المجال وأنّه أخذ يعتذر في آخر رسالته في الاعتقادات عمّا أفصح به أبوه العلامة محمد تقي المجلسي في بعض رسائله - مثل تشويق السالكين - عن مدح اسم الصوفي بتوجيهات تزكيه عن التمايل إلى هذه الفئة .